عراقي محمود حامد : ورحل ثالث الأئمة الأعلام

إنَّ الحمدَ لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شُرور أنفسنا، ومن سيِّئات أعمالنا، مَن يهدِه الله فلا مضلَّ له، ومَن يضلل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمَّدًا عبده ورسوله.

أمَّا قبلُ:
فإنَّ الله تعالى خلق الإنسان لمهمة جليلة وغاية نبيلة، وهي عبادته سبحانه وتعالى ليَعمُر الكونُ بتوحيده جلَّ في عُلاه، قال عزَّ مِن قائل: {وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ} [الذاريات: 56- 58]، وللاستخلاف في الأرض حتى ينشُر دعوته، ويأتي إليه طَوَاعية باختياره وسعيه وكسبه، ليتحقق ما عَلِمه سبحانه في عالم الغيب واقعًا في عالم الشَّهَادة، ولينظر سبحانه -وهو أعلم- من يأتيه مُحبًّا راغبًا راهبًا، ممن ينقلب على عقبيه فيخسر الدنيا والآخرة.

ومع أنَّ الله جلَّى لنا هذا الأمر وبيَّنه أيَّما بيانٍ؛ إلا أن الكثير في عَمَاية عنه، ما بين مكذِّب به، وما بين مخذول، قعَدَت به نفسُه الخبيثة وأغواه شيطانه الرجيم؛ واستحقوا أن يَصِفَهم الله بقوله: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف: 103]، وبقوله: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف: 106].

لكنَّ هناك صِنفًا مُوفَّقًا مُعانًا مؤيدًا مُسددًا، رَضِي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه نبيًّا ورسولًا، أحبَّ الله تعالى، وغَلَبت محبتُه لله كلَّ محبة من شأنها أن تُقعده، أو تؤخِّره عن لقاء الله، ورفع شعار {وَعَجِلتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} [طه: 84].

فأصلحَ لله ظاهرَه وأنابَ إلى الله واستغاث به أن يهدي باطنه، وأن يكون باطنُه خيرًا من ظاهره، وأمعن النظر في الغايةِ مِن خلقه، فعلم يقينًا أنه في دار اختبار، والسعيدُ من وعِظ بغيره، وأنها كما قال الإمام أحمد بن حنبل العَلَم الأشم رحمه الله: «إنما هي أيام قلائل، لو كُشِف للعبد عما قد حُجِب عنه لعَرَف ما هو عليه من خير أو شر؛ صبرٌ قليل، وثوابٌ طويل، إنما هذه فتنة»[1].

فهانت عليه نفسُه أن يبذلها لله رخيصةً، وتمنَّى أن لو كانت له مائةُ نفس ليبذلها لحبيبه ومولاه وخالقه، ومَن بيده ملكوتُ كل شيء، ومن يملك إسعادَه وتزكيته؛ لعلمه بعظم الجزاء المترتب على هذه البيعة المباركة والصفقة الميمونة: {إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ الله فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ} [التوبة: 111].

ولم يجدوا حاديًا على هذا الطريق إلا سيد الهداة وإمام الدعاة وقائد الغُرِّ المَيَامين، فعقدوا العزمَ على العَضِّ على ما جاء به الرسولُ صلى الله عليه وسلم إذ لا طريق موصلة إلى رضوان الله وجنته إلا طريقه، والسير على نهجه، وتقفِّي أثره حَذْو القُذَّة بالقذة[2]، فعكفوا على حِفظ سُنَّته والتفقه في شريعته، حتى يُقبل منهم السعي ويَحْظوا بالقبول؛ لأن الجليلَ يقول: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَليَعْمَل عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110].

فلما تفقَّهوا حملَهم العلمُ الهادي إلى التزوُّد منه؛ إذ عبوديةُ الله لا يُمكن أن تُحصَّل إلَّا بالعلمِ الذي جاء به المعصومُ - صلى الله عليه وسلم - الذي لم يأمره ربُّه أن يستزيد من شيء إلا من العلم؛ فقال سبحانه: {وَقُل رََّبِّ زِدْنِي عِلمًا} [طه: 114].

وفَطِنوا إلى أنَّ الله رفَعَ درجات أهل العلم حيث فضَّلَهم وأعْلَى قدْرَهم؛ فقال سبحانه: {يَرْفَعِ الله الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11]، وأنَّ مَن كان بالله أعلمَ كان له أتقى، ولا يَعصِيه إلَّا مَن جهل قدره جَلَّ في عُلاه؛ لذلك قال الله: {إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ} [فاطر: 28].

فرفعهم العلم عن الدَّنايا، وسَمَت أنفسُهم، ووجدوا الرَّاحة واللذة التي يراها غيرهم عَنَتًا وعذابًا- سعادةً غامرة يكادُ القلبُ يرقص فيها طَرَبًا، فلما انتَشَت نفوسُهم نادى مناديهم: «إنَّه لتمرُّ بالقلب أوقاتٌ يرقصُ فيها طَرَبًا، فأقول: إنْ كان أهل الجنة في مثل هذا إنَّهم لفي عيش طيب»[3].

ولما نظروا حَوَاليهم واستشعروا فَدَاحة غفلة الناس رفعوا أصواتهم باكين من هَلَكَ، مُنذرين مَن بَقِي: «مَسَاكينُ أهلُ الدنيا؛ خرجوا منها وما ذاقوا أطيبَ ما فيها: وهو معرفة الله».

وهذا فضلُ الله يؤتيه من يشاء؛ فليس العجب ممن هلك كيف هلك! إنما العجب ممن نجا كيف نجا؟!

فلله دَرُّهم! انظر إليهم وهم ينتقلون من حَلقة إلى حلقة، ومن درس إلى درس؟!

ثم تعجَّب مِن عُكوفهم على كتبهم، ولسان حالهم يقول:
أعَزُّ مَكانٍ في الدُّنَى سَرْجُ سابحٍ وَخَيرُ جَليسٍ في الزّمانِ كِتابُ

واندهش مِن سهرهم لحل مُعضلة مُشكِلة؛ إذ جُل همهم وأسمى أمانيهم أن يخرج بحثُهم بخير نتاج، وأن يبارك اللهُ سعيَهم، وأن يُنير بصائرهم لتصل إلى الحق، ولهجوا بدعائه سبحانه: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابُ} [آل عمران: 8].

ولَكَم عَشِقوا القلم والقِرْطاس إذْ لا معنًى لحياتهم بدونهما، لذلك لما مُنِع شيخُ الإسلام- رحمه الله- من أدوات الكتابة أحس أنه لم يعد هناك معنى لحياته، ففاضت روحه لمولاه.

ويا لله لمحبتهم لخلوتهم حين يَخْلون بحبيبهم، إذ ثمرةُ العلم العمل، ولا خيرَ في علم لا يتبعه عملٌ، فقد هتفَ العلمُ بالعمل فإن تبِعه وإلا ارتحل.

فهذا شأنهم، وذاك ديدنهم، وتلك حالهم، فهم في وادٍ والناس في واد.

يعجب من لم يذق طعم الإيمان ومن لم يُحسَّ بلذة المدارسة ومن لم تَكَلَّ عينُه بالسهر لمرضاة الله- مِن أحوالهم؛ فيقول: هؤلاء دفنوا أنفسهم أحياء! هؤلاء لم يذوقوا طعم الحياة!

وهيهات! فهم وحدهم الأحياء، من مات منهم بما ورَّث من علوم وآثار واضحات، ومن بقي منهم لخدمته لدين رب الأرض والسموات، نسأل الله للجميع الثبات.

فمن مات منهم نسأل الله له أن يبلغه منازل الشهداء، ومن حَيَّ منهم نستغيث به سبحانه أن يحفظه بحفظه الذي لا يُرَام، وأن يكلأه بعينه التي لا تنام.

فهذه الحياة الحقيقية التي قال المولى سبحانه عنها: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97]، وقال جل في علاه: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} [طه: 123].

إذ لا معنى لحياة يعيشها الإنسان - المُكرَّم - أشبه ما يكون بالحيوان يأكل ويشرب وينام وينكح، ولا يخلِّف أثرًا يُذكر، ولا يورِّث شيئًا ينفع، فحياتُه ومماته سواءٌ.

لذا كان موتُ العلماء العاملين الربانيين خسارة عظيمة للأمة، وثُلمة لا تُسدُّ إلا بعالم مثله، وإلا وقع ما حذَّر المصطفى صلى الله عليه وسلم أمته فقال: «إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ العِلمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلمٍ؛ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا»[4].

فبتوافر العلماء الربانيين صلاح الدين والدنيا، وبفقدهم فسادهما، وقد قال الزهري - رحمه الله تعالى -: «كَانَ مَنْ مَضَى مِنْ عُلَمَائِنَا يَقُولُونَ: الِاعْتِصَامُ بِالسُّنَّةِ نَجَاةٌ، وَالعِلمُ يُقْبَضُ قَبْضًا سَرِيعًا، فَنَعْشُ العِلمِ ثَبَاتُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَفِي ذَهَابِ العِلمِ ذَهَابُ ذَلِكَ كُلِّهِ»[5].

وبفسادهم خسرانهم في الأولى والآخرة، وضياع من وراءهم، ولله در القائل:
يا عُلماءَ الدِّين يا مِلحَ البلد مَن يُصلِحُ المِلحَ إذا المِلحُ فَسَدَ

أما الرءوس الجُهَّال - نعوذ بالله من حالهم ومصيرهم - فهؤلاء أمثالُ مَن ذَكَر الله قصته في سورة الأعراف حيث قال: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلبِ إِنْ تَحْمِل عَلَيْهِ يَلهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعراف: 176، 177].

فجديرٌ بالأُمَّة أن تلتفَّ حول علمائها، وأن توقِّرهم، وأن تعرف لهم قدرهم؛ فهم ولاة أمورهم، فعند تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] قال الإمام ابن كثير رحمه الله: «وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ} يعني: أهل الفقه والدين. وكذا قال مجاهد، وعطاء، والحسن البصري، وأبو العالية: {وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ } يعني: العلماء. والظاهر -والله أعلم- أن الآية في جميع أولي الأمر من الأمراء والعلماء»[6].

لِمَ لا، وقد قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ} [فاطر: 28]، فَمَن كان بالله أعلمُ كان له أخشى وأتقى، ولم يَعْصِ اللهَ إلا من جهل قَدْره جلَّ في علاه، وقال: {يَرْفَعِ الله الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11]، فليس بعد رفع الله لقدرهم رفعٌ، وقال: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]؛ فنحن مأمورون شرعًا أن نَردَّ ما أشكل علينا إلى مَن حباهم الله بفهم دينه ومقاصد شريعته، والنظر والاستنباط من الأدلة المُعتبرة، ولذلك قال سبحانه وتعالى أيضًا: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43].

وعلينا أن نسمع ونطيع لمن وَثِقنا بدينه، وعلمنا حُسن فهمه وصدق تديُّنه، لأن الإمام ابن سيرين - رحمه الله - قال: «إِنَّ هَذَا العِلمَ دِينٌ؛ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ »[7].

وكيف لا تدرك الأمة قيمة علمائها، وهم صمام أمانها، وهي تعلم أن - النبي صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلمًا سَلَكَ اللهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الجَنَّةِ، وَإِنَّ المَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ العِلمِ، وَإِنَّ العَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالحِيتَانُ فِي جَوْفِ المَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ عَلَى سَائِرِ الكَوَاكِبِ، وَإِنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ[8]، وَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَرَّثُوا العِلمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ»[9].

وعندما ذُكِرَ لِرَسُولِ الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلَانِ؛ أَحَدُهُمَا عَابِدٌ وَالآخَرُ عَالِمٌ، قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ». ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الخَيْرَ»[10]. والسنة مستفيضة بالحث على العلم وإكرام العلماء.

بل والتحذير الشديد من الجهل والتنفير من القعود عن التعلم وترك السؤال؛ فعن ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: أَصَابَ رَجُلًا جُرْحٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ احْتَلَمَ فَأُمِرَ بِالِاغْتِسَالِ، فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ: «قَتَلُوهُ قَتَلَهُمْ اللَّهُ! أَلَمْ يَكُنْ شِفَاءُ العِيِّ السُّؤَالَ»[11].

وكيف لا تعلم الأمة ما يترتب على فقدها لعلمائها، وقد كان الناس ولا يزالون يبكون العلماء الربانيين؛ إذ لما مات زيد بن ثابت - رضي الله عنه - قال أبو هريرة - رضي الله عنه -: «مات اليوم حبر هذه الأمة، ولعل الله يجعل في ابن عباس منه خلفًا»[12].

فكان ابن عباس -رضي الله عنهما - نعم الخَلَف ببركة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»[13].

ولما مات ابن عباس - رضي الله عنهما - صفَّق جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- بإحدى يديه على الأخرى وقال: «مات أعلم الناس وأحلم الناس، ولقد أصيبت به هذه الأمةُ مصيبةً لا تُرتَق»[14].

وقد قال عطاء في تفسير قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا}: نقصها: هو «ذهاب فقهائها وخيار أهلها»[15].

كان هذا هو فهم أئمتنا المباركين من سلف هذه الأمة المرحومة.

أما بعدُ:
ففي الآونة الأخيرة توالت على الأمة نكبات مفجعة مُؤرقة؛ إذ مُنيت بفقد جِلَّة من علمائها الربانيين -نحسبهم كذلك والله حسيبهم- كانوا قد أخذوا على عاتقهم تجديد أمر هذا الدين العظيم، ونفع الله تعالى بهم، وما ضعفوا وما وهنوا وما استكانوا في هذا السبيل المليء بالمعوِّقات، ففتح الله بهم البلاد وقلوب العباد، ونشر على أيديهم الخير بعدما عمَّ البلاءُ وطَمَّ، فأخلصوا لدينهم -نحسبهم كذلك ولا نزكيهم على الله- وجرَّدوا النصح لأمتهم.

ومن هؤلاء:
فضيلة الشيخ العلامة الدكتور/ عبد الله بن جبرين - رحمه الله -، الذي أعده ثالث الأئمة الأعلام مع سماحة شيخنا ابن باز رحمه الله، وسماحة شيخنا ابن عثيمين رحمه الله، في الفقه والإفتاء، والصبر العجيب على التدريس والطلبة، والبذل المنقطع النظير للدعوة، والعمل الدءوب على رفعة الأمة، والنهوض بها؛ لتتبوأ مكانتها اللائقة بها، ونشر العلم، ناهيك عن التأله والزهد، ودماثة الأخلاق التي لمسها القاصي والداني.

كان - رحمه الله - من كبار المُفتين في العصر الحديث، وهو عضو إفتاء سابق بالرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء، وقد خلَّف ما يزيد على ستين مؤلفًا، من أهمها في مجال الفتوى: «فتاوى الزكاة»، و«فتاوى رمضانية»، و«فتاوى في التوحيد»، و«فتاوى في الطهارة»، و«الأجوبة الفقهية على الأسئلة التعليمية التربوية»، و«الفتاوى الجبرينية»، و«الفتاوى النسائية».

وقد كرَّس كلَّ وقته للعلم والدروس والمحاضرات، ولم يفوِّت منها شيئًا، وكان يلقي محاضراته ودروسه ولم تنقطع إلا في أثناء مرضه، وفي فصل الصيف كان يقوم برحلة داخل المملكة ينطلق فيها من الرياض إلى مكة ثم إلى الطائف وجُدة والجنوب ثم يعود إلى الرياض مع مرافقيه، ثم إلى شمال المملكة وإلى المنطقة الشرقية والقصيم، وهي رحلات كانت كلها لإلقاء الدروس والمحاضرات.

ولم يكن لمثلي أن يتحدث عن هذا الجبل - رحمه الله -، ولكني أرفع بذلك خسيستي، وما أسـتأهل - والله - أن أغسل عن قدميه، ولا أن أحمل له نعليه، ولا أقول هذا تواضعًا، وحسبي أن أتمثل بقول إمامنا الشافعي - رحمه الله -:
أُحِبُّ الصَّالِحِينَ وَلَسْتُ مِنْهُمْ لَعَلِّي أَنْ أَنَالَ بِهِمْ شَفَاعَهْ
وَأَكْرَهُ مَنْ تِجَارَتُهُ المَعَاصِي وَلَوْ كُنَّا سَوَاءً فِي البِضَاعَهْ

ويكفي عظم المصيبة، أحسن الله عزاءنا جميعًا في مُصابنا الجَلل، وأخلف الله علينا أمثال شيخنا المبارك - رحمه الله - وعلمائنا الأفاضل.

ولما كان هذا هو قدر الله السابق، فلا نملك حياله إلا أن نتجمل بالصبر، وأن نتحلى بحُسن العزاء، حتى نحظى بموعود ربنا: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10].

اللهُمَّ اغْفِرْ لشَيخِنا، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي المَهْدِيِّينَ، وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ.

وهكذا تكون عاقبة المحسنين الطيبين والعلماء العاملين الربانيين -نحسبهم كذلك ولا نزكيهم على الله- يجعل الله لهم لسان صدق في الناس.

وصدقَ الإمام أحمد - رضي الله عنه – حين قال: «قولوا لأهل البدع، بيننا وبينكم الجنائز».

فكانت جنازة شيخنا - بفضل الله - من عاجل بُشرى المؤمن، وقذى في أعين المبتدعين الحاقدين.

وهذه دعوة أن نعمل على سد هذه الثغرة بالجد في التحصيل والتعلم والتعليم والدعوة للعمل على نشر العلم النافع ورفع راية الدين، وتربية النشء على حب العلم والعلماء، وكفالتهم ليفرغوا لهذه المهمة الشاقَّة المباركة؛ ليكونوا عوضًا عمن فقدناهم من علمائنا تغمدهم الله بواسع رحمته.

اللهم ارحم علماءنا، واحفظ من بقي منهم بحفظك الذي لا يرام، واكلأهم بعينك التي لا تنام، ورد عنهم كيد الكائدين، واجعلنا بكرمك من العلماء الربانيين، أئمةً للمتقين.

ــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر «من أنا حتى أكتب عن أحمد؟!»، د. إسلام المازني، (ص 16).
[2] أي: كما تُقَدَّر كلُّ واحدة منهما على قَدْر صاحِبتها وتُقْطَع. يُضرب مثلًا للشَّيئين يَسْتويان ولا يتفاوتان.
[3] من كلام أحمد بن أبي الحواري رحمه الله، انظر «البداية والنهاية» (10/ 280).
[4] متفق عليه: أخرجه البخاري (98)، ومسلم (4828) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.
[5] أخرجه الدارمي في «سننه» (1/ 58) حديث (96).
[6] تفسير ابن كثير (2/ 345).
[7] أخرجه مسلم (26) عن محمد بن سيرين.
[8] قال المُناوي في «فيض القدير» (4/ 505): «العلماء ورثة الأنبياء»؛ لأن الميراث ينتقل إلى الأقرب، وأقرب الأمة في نسبة الدين العلماء الذين أعرضوا عن الدنيا وأقبلوا على الآخرة، وكانوا للأمة بدلًا من الأنبياء الذين فازوا بالحسنيين؛ العلم والعمل، وحازوا الفضيلتين؛ الكمال والتكميل.
[9] أخرجه أبو داود (3157) عن أبي الدرداء - رضي الله عنه -، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (3641).
[10] أخرجه الترمذي (2609) عن أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ - رضي الله عنه -، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (7662).
[11] أخرجه أبو داود (285) عن ابن عباس رضي الله عنهما، وحسنه الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (365).
[12] أخرجه الحاكم في «مستدركه» (3/ 483) حديث (5805).
[13] أخرجه البخاري (140).
[14] أخرجه ابن سعد في «الطبقات» (2/ 372).
[15] أخرجه ابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله» (1/ 304).

 

كتبه: عراقي محمود حامد


http://alukah.net/articles/1/7224.aspx

أضف تعليق

جاري ارسال التعليق
تم ارسال التعليق
فشل فالإرسال